رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور

رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on pinterest
Share on email
Share on whatsapp

شهد هذا لاحقا

رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور

🟢 #رواية #ماتياس #إينار #عن #عمق #فرنسا #وقائع #السهرة #الجامعة #لنخبة #حفاري #القبور

رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور

يفتتح ماتياس إينار روايته باستشهاد من الراهب الفيتنامي تيش نات هان يقول: «إننا، في حيواتنا السابقة، كنا جميعا ترابا وحجارة وندىً وهواء ونارا وزبَدا وشجرا وحشراتٍ وسمكا وسلاحفَ وعصافيرَ وزواحفَ». الكثير من هذه الكائنات والعناصر تحوّلت منها، أو تحوّلت إليها، شخصيات من تلك الرواية. ذاك التحوّل، أو التناسخ، لا يعني شيئا كثيرا في الحياة البشرية، أو الإنسية، لهذه الشخصيات إذ هي، بالطبع، لا تعرف ماذا كانت من قبل، ولن تعرف إلى ماذا ستتحوّل بعد موتها. فقط تقادم الزمن، حين تصير تلك الحيوات تاريخا ماضيا، يمكن للتخيل الروائي أن يدرك أن هذا الرجل، أو تلك المرأة، يناسبهما التحوّل إلى خنزير أو إلى فأرة، إلى رجل آخر أو إلى عاصفة.
إلى منطقة «نيور» توجّه الإثنولوجي دافيد مازون لإجراء بحثه الإثنولوجي، بادئا نزوله فيها ببيت كان أول ما أثار نفوره فيه هو تلك الديدان الحمر الصغيرة المنتشرة في أنحائه. لاحقا، مع تقدّم فصول الرواية، سنستدلّ أيضا على الرجل الذي تحوّلت الديدان منه أو تقمّصته. ذلك التناسخ المتكرر الذي ترجع الرواية إليه، مرّة على الأقل في تاريخ السلالة العائلية لكل من الشخصيات، فكاهيّ على الدوام. وهو بدا كما لو أن الروائي اكتشف فيه ضالّته فقلّب إياه على وجوهه، متلاعبا وملاعبا قرّاءه به، كفكرة ثرية غير قابلة للاستنفاد.

الرواية التي بدأت بحكاية بطلها دافيد مازون تعود إليه بعد تجوالها الطويل، لتُختَتَم بانتقاله إلى العيش مع لوسي المزارعة، متخلّيا عن بحثه الإثنولوجي، تاركا للرواية، التي هو أحد أبطالها، القيام بهذا العمل على طريقتها.

في التعريف بحياة الكاتب ماتيار إيناس وفكره نقرأ أنه أخذ فكرة التناسخ من معايشته للثقافات الشرقية، ومن معتقد الدروز في ما خصّ التقمّص. وهو في روايته حقن الفكرة بتاريخ تلك المنطقة الفرنسية جاعلا بعض من عبروا فيه، منذ القرن الرابع عشر إلى حاضرنا في القرن الواحد والعشرين، منسّلين من أجداد غير بشريين. هذا على الرغم من ذهابه في الرواية إلى العمق التاريخي للمجتمع الفرنسي، هو الذي كان قد كتب من قبْل عن مجتمعاتنا العربية والمشرقية التي ألهمته. هنا، في الرواية تُفتتح الصفحة الأولى على خريطة لتلك المنطقة المتسعة من فرنسا، وخصوصا منها تور ونانت وأنغوليم، ليرجع إليها القارئ في وقت ما ينقّله الكاتب بين أرجائها. ذلك يشابه ما فعله ناشر رواية جيمس جويس «عوليس» التي جرت أحداثها في العاصمة الإيرلندية (دبلن).
ومثلما يكثر في الرواية ذكر أسماء القرى والمدن، في حاضرها وفي مراحل من ماضيها، ترد أيضا أسماء ما لا يحصى من المآكل التي أعدّت في «المأدبة السنوية لأخويّة حفّاري القبور». هذا العنوان، الذي استخدم ليكون للرواية جميعها، بموضوعاتها وتفرّعاتها الكثيرة، هو أيضا عنوان فرعي لأحد فصولها، أو لأحد كتبها، هي الممتدّة على الخمسمئة والثلاثين من الصفحات، ما يجعل فصولها قريبة من أن تكون كتبا. المدعوون إلى تلك المأدبة، والذين تنوّعت اختصاصاتهم بين أن يكونوا حفّارين ودفّانين وسائقي عربات نقل الموتى وحراس جثامينهم وصانعي توابيتهم وأصحاب وكالات دفن ومتعهّدي نقلهم إلى الآخرة، أو إلى حلول أرواحهم في أجساد مخلوقات أخرى، يرتاحون، كمثل ما يفعل الموظّفون في الشركات، عشرة أيام كل سنة. لا أحد يجب أن يموت في هذه الأيام العشرة، لأن ليس من أحد في الخدمة ليتولّى دفنه. أما ليلة الذروة في لقاء هؤلاء فهي التي يجتمعون فيها، آتين كلّ من منطقته، ليأكلوا ويشربوا كل ما يمكن أن يزخر به تاريخ المآكل في تلك المناطق، بل وفي فرنسا بأكملها. ما تصوّره تلك الصفحات التسعون أشبه بحفلة داعرة متواصلة من مزج الطعام بالكلام (الكلام المتراوح بين البذيء والفلسفي) الذي يدعى كبار المتعهدّين والحفّارين إلى قوله أو إلى خطابته. جولة بعد جولة يحضر الطعام مشويا أو مقليا أو مدخّنا أو مصحوبا بكميات لا يتوقّف هدرها من النبيذ المتعيّنة أمكنة إعداده. صفحات تمثّل أهجية، سليطة ولئيمة، لما يُحتفل عادة برهافته وأناقة صنعه في أنحاء فرنسا.
ويظل القارئ متسائلا أثناء صفحات ذاك الاحتفال، عن صلتها بتسلسل الرواية وخطّ سيرها، كما يظل يتساءل أيضا عما يجمع أطراف الرواية إلى متنها. الإثنولوجي دافيد مازون الراوي الذي أعدّه الكاتب لأن يكون بطل الرواية، يغيب بعد الصفحات المئة الأولى ليعاود الحضور في الصفحات المئة الأخيرة. في غيابه ذاك تحضر حكايات عادات وسلوكات وحروب وتواريخ وأبطال فعليون أو هزليون عرفتهم تلك الأنحاء، فتكون الرواية، عند كل انتقال لها، كأنها تغادر كلّيا ما كانت ترويه. ويُزاد على ذلك تلك الاستراحات التي تحمل العنوان ذاتها: «أغنية» حيث تروي كل منها (الأغنيات) حكاية غرامية أو مأساوية أو تاريخية منفصلة غالبا عن مجريات الرواية، لكنّ الكاتب ماتياس إينار يعاود التقاط خيط شخصياته الذي كاد يضيع، مستلا إياه من ركام العوالم والتفاصيل المتشابكة.
الرواية التي بدأت بحكاية بطلها دافيد مازون تعود إليه بعد تجوالها الطويل، لتُختَتَم بانتقاله إلى العيش مع لوسي المزارعة، متخلّيا عن بحثه الإثنولوجي، تاركا للرواية، التي هو أحد أبطالها، القيام بهذا العمل على طريقتها.
لكي تتجانس الرواية وتتّسق، على قارئها أن يبحث في الدلالات والرموز التي يمكن أن توحّد ذاك الشتات من الأخبار والتواريخ والحكايات المازجة العادي بالأسطوري. وهذا عمل شاقّ ومضيّع على كل حال، على الأخص في ما يتعلّق بذلك الفصل الذي يتناول تلك المأدبة السنوية لحفّاري القبور، حيث بدا الكاتب وكأنه استرسل في وصفه الهجائي ذاهبا إلى أبعد من مجرّد دعوة قارئه إلى استخلاص الرمز، أو حتى المعنى.

رواية ماتياس إينار»المأدبة السنوية لأخويّة حفاري القبور» نقلها إلى العربية بثراء لغوي واسع ومتميّز محمد ناصر الدين. صدرت الرواية عن «دار الجمل» لسنة 2022 بعدد صفحات بلغ 531 صفحة.

كاتب لبناني

رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور
أقراء أيضا
افضل 40 تطبيق أندرويد مجانا بأداء خرافي

المصدر : منتوف ومواقع انترنت 👇رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور


رواية ماتياس إينار عن عمق فرنسا: وقائع السهرة الجامعة لنخبة حفّاري القبور